ابن كثير

115

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الإسناد ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا وقد قيل إن حم اسم من أسماء اللّه عز وجل وأنشدوا في ذلك بيتا : [ الطويل ] يذكّرني حم والرّمح شاجر * فهلّا تلاحم قبل التقدّم « 1 » وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال : حدثني من سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن بيتم الليلة فقولوا وحم لا ينصرون » « 2 » وهذا إسناد صحيح ، صفرة واختار أبو عبيد أن يروى فقولوا حم لا ينصروا أي إن قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاء لقوله فقولوا . وقوله تعالى : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من اللّه ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه . وقوله عز وجل : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه . وقوله جل وعلا : شَدِيدِ الْعِقابِ أي لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر اللّه تعالى وبغى وهذه كقوله : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [ الحجر : 49 ، 50 ] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف ، وقوله تعالى : ذِي الطَّوْلِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما يعني السعة والغنى ، وهكذا قال مجاهد وقتادة ، وقال يزيد بن الأصم ذي الطول يعني الخير الكثير . وقال عكرمة ذِي الطَّوْلِ ذي المن . وقال قتادة ذي النعم والفواضل ، والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من المنة والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] الآية . وقوله جلت عظمته : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره فلا إله

--> ( 1 ) البيت الأشتر النخعي في الاشتقاق ص 145 ، ولعدي بن حاتم الطائي في حماسة البحتري ص 36 ، ولشريح بن أوفى العبسي في تفسير الطبري 11 / 38 ، ولسان العرب ( حمم ) ، ولعصام بن مقشعر البصري في معجم الشعراء ص 270 ، وبلا نسبة في الخصائص 2 / 181 ، ولسان العرب ( ندم ) ، والمقتضب 1 / 238 ، 3 / 356 . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه في الصفحة السابقة .